أول الحديث
جاء في كتب التاريخ حين تذكر مدينة النجف الأشرف بأنها كانت وريثة مدينة الكوفة العلمية والكوفة وريثة مملكة الحيرة ولا يكاد ان ينفك ذكر العلم طيلة التاريخ الطويل والممتد عبر العصور وسميت هذه المنطقة المتمثلة هذه بالمدن الثلاث بـ (المثلث الحضاري) وتعد النجف الأشرف اهم المدن الإسلامية لعمقها الحضاري ويمكن تحديد نشوء هذه المدينة حسب رواية المؤرخين والتي ترجح نشئتها إلى أواسط القرن الثاني الهجري.
وقد قصد الكثير من محبي أهل البيت (عليهم السلام) مدينة النجف لمجاورة مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى (سكن النجف من السادة العلويين وقبل أن ينتهي القرن الرابع الهجري، ألف وتسعمائة نفر).
وترجح الكثير من الروايات على وجود الدرس العلمي في هذه المدينة المقدسة قبل مجي شيخ الطائفة ومتكلم الشيعة الإمامية.
فقد (استدل بعض الكتاب المحدثين علي وجود الجامعة العلمية في النجف قبل هجرة شيخ الطائفة اليها، وذلك اعتماداً عليى استجازة الشيخ أبي العباس النجاشي من الشيخ أبي عبد اللّه إبن الخمري فقد قال في كتاب رجاله المطبوع عن كتاب «عمل السلطان» للبوشنجي ما لفظه: أجازنا بروايته أبو عبد اللّه الخمري الشيخ الصالح في مشهد مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) سنة أربعمائة).
و(صدرت إجازات علمية من بعض مشايخ العلماء القاطنين في النجف الى تلامذتهم، منها: إجازة صادرة من محمد بن علي بن الفضل الكوفي، أحد مشايخ الصدوق، ذكر الاجازة الشيخ الصدوق في مقدمة كتابه من لا يحضره الفقيه قال: محمد بن علي بن الفضل الكوفي سمع - الشيخ الصدوق - منه سنة 354 هـ، عند وروده الى الكوفة وهو في طريقه إلى الحج، وكان سماعه بمشهد أمير المؤمنين (عليه السلام)).
وحين مجيء الشيخ الطوسي (قد) الى النجف في سنة 447هـ بعد الأحداث المؤسفة في بغداد، فقد ازدانت به وتعاظم شأنها وصيرها مركزاً للعلم وجامعة كبرى للشيعة الامامية، وعاصمة للدين الاسلامي والمذهب الجعفري، وأخذت تشد اليها الرحال وتعلق بها الآمال، وأصبحت مهبط رجال العلم ومهوى افئدتهم وقام فيها بناء صرح الإسلام، وكان الفضل في ذلك لشيخ الطائفة نفسه فقد بث في أعلام حوزته الروح العلمية، وغرس في قلوبهم بذور المعارف الإلهية، فحسروا للعلم عن سواعدهم ووصلوا فيه ليلهم بنهارهم عاكفين على دروسهم خائضين عباب العلم غائصين على أسراره موغلين في استبطان دخائله واستخراج مخبآته، وكيف لا يكونون كذلك وقد شرح اللّه للعلم والعمل صدورهم وصقل أذهانهم وارهف طباعهم فحموا وطيس العلم، وبان فضل النجف على ما سواها من المعاهد العلمية، وخلفوا الذكر الجميل على مر الدهور والأعصار أعلى اللّه في الفردوس درجاتهم.
تلك هي جامعة النجف العظمى التي شيد شيخ الطائفة ركنها الاساسي ووضع حجرها الأول، وقد تخرج منها خلال هذه القرون المتطاولة آلاف مؤلفة من أساطين الدين وأعاظم الفقهاء، وكبار الفلاسفة ونوابغ المتكلمين، وأفاضل المفسرين واجلاء اللغويين، وغيرهم ممن خبروا العلوم الاسلامية بأنواعها وبرعوا فيها أيّما براعة، وليس أدل على ذلك من آثارهم المهمة التي هي في طليعة التراث الاسلامي ولم تزل زاهية حتى هذا اليوم، يرتحل اليها رواد العلوم والمعارف من سائر الاقطار والقارات فيرتوون من مناهلها العذبة وعيونها الصافية (والمنهل العذب كثير الزحام)).